بيروت تحترق: الانتفاضة ضدّ النّخَب بدأت

الإطارات تحترق، والدخان يتصاعد نحو السماء. إنه شهر أكتوبر في يومه الثامن عشر، وبدت العاصمة اللبنانية التي كانت تُعرف في الماضي باسم "باريس الشرق" مغطّاة بالدخان

الإطارات تحترق، والدخان يتصاعد نحو السماء. إنه شهر أكتوبر في يومه الثامن عشر، وبدت العاصمة اللبنانية التي كانت تُعرف في الماضي باسم "باريس الشرق" مغطّاة بالدخان.

كنت ولسنوات خلَت أحذّر من أن البلاد التي تحكمها نخبة فاسدة غير مبالية، لا يمكن أن تبقى متماسكة إلى ما لا نهاية.

طوال السّنوات الخمس حيث كنت أسمّي بيروت وطني، كانت الأمور تسير نحو الهاوية ولا شيء قيد التحسّن: وسائل نقل عام معدومة، نقص في الكهرباء، إمدادات مياه ملوثة وغير منتظمة، والنفايات تتراكم بشكل دوري على طول الشوارع وطرق الضاحية. ما أن تهبط الطائرة وتفتح أبوابها عائداً بها إلى الوطن، حتّى تأتيك رائحة النّفايات الكريهة مرحبّة بك.

يعرف الجميع تقريبًا أن كل هذا كان لا يمكن أن يستمر على هذا المنوال إلى الأبد.

كانت المدينة تعاني من أمراض العالم الرابع، في الوقت الذي تغمرها سيارات لاند روفر المتعدّدة الاستعمالات وسيّارات المازيراتي والبورش الرياضية وأزياء أرماني.

لقد انهارت بيروت تقريباً إلى مستويات جاكرتا، رغم أنه يتعيّن على المرء أن يعترف بوجود نخَب ذكية للغاية، ذات مستوى تعليمي عالٍ وبتخصّصات متشعبّة قادرة على التحدّث في وقت واحد بثلاث لغات عالمية: الفرنسية والعربية والإنجليزية، كما بوجود معارض فنّية من الدرجة الأولى ودور سينما فنية والحانات الفاخرة والنوادي الليلية، مع مراسي للمراكب الفخمة وأفضل المكتبات في منطقة الشرق الأوسط قاطبةً.

يقول البعض أن بيروت كانت دائمًا تمتلك الأدمغة والشجاعة ولكن شيئاً ما أصابها في الصّميم.

 الآن لا شيء هنا يسير كما ينبغي. لكن إذا كان لديك دولارات بالملايين فهذا لا يهمّك لأنّك تستطيع شراء أي شيء هنا. إذا كنت فقيرًا ومعوّزًا، فيجدر التخلّي عن كلّ أمل. وغالبية الناس هنا الآن في حالة فقر دون معرفة عددهم بالضبط، حيث أنّ الإحصائيات ممنوعة لأجل "عدم الإخلال بالتوازن الديني" (كان متفقاً عليه بصورة ما لسنوات أّنّه من الأفضل عدم معرفة عدد  لمسيحيين أو المسلمين المقيمين في البلاد.

من المؤكد أن معظم الناس هنا ليسوا أغنياء. والآن وقد فاض غضبهم من حكّامهم والسياسيّين الفاسدين وما يسمى بالنخب، قاموا يصرخون بصوت عالٍ وواضح: "كفى! خلَص، يسقط النظام! "

***

قررت الحكومة فرض ضريبة على مكالمات واتس آب ، وقد يقول البعض هذا ليس مشكلة كبيرة، ولكنه كان وما زال وأصبح فجأة مسألة كبيرة. "آخر قطرة" ربّما.

انفجرت المدينة. أقيمت الحواجز. تمّ إحراق الإطارات. في كل مكان، من أفقر الأحياء إلى أغناها.

"ثورة!" قام الشّعب يصرخ.

للبنان تاريخٌ من التمرّد اليساري وحتى الشيوعي. كما أن لديه نصيبه الوافر من التعصّب الديني اليميني. أيّهما سيفوز؟ أيّهما سيحسم الأمر خلال هذه الانتفاضة الوطنية؟

يقف الحزب الشيوعي الآن وراء عدة مسيرات، لكن حزب الله، حتى الآن القوة الاجتماعية الأكثر صلابة في البلاد، لم يقتنع بعد بأنّ على حكومة سعد الحريري أن تستقيل بكلّ بساطة.

بحسب رويترز:

"قال زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله ... إن الجماعة لا تطالب باستقالة الحكومة وسط احتجاجات وطنية واسعة النطاق.

قال نصر الله في خطاب مُتلفز إنه يدعم الحكومة، لكنه دعا إلى أجندة جديدة و "روح جديدة"، مضيفًا أن الاحتجاجات الجارية أظهرت أن الطريق نحو الأمام لا يمرّ بضرائب جديدة ".

وأضاف نصر الله أن أي ضريبة تُفرض على الفقراء ستدفعه إلى دعوة مؤيّديه بالنزول إلى الشوارع."

حتى الآن، أدى التمرّد إلى إصابة عدد لا يحصى من الأشخاص، بينما قضى مهاجران سوريان حتفهما. يقول بعض المحلّلين المحليّين إن هذه أخطر انتفاضة منذ تلك التي قامت في عام 2015 (التي تضمنت حملة "طلعت ريحتكم!"، كردّة فعل أمام أزمات القمامة الفظيعة في بيروت والكارثة الاجتماعية المتفاقمة). لكن آخرين، بمن فيهم الكاتب، مقتنعون بأن هذه في الواقع هي أخطر كارثة سياسية يواجهها لبنان منذ الثمانينات.

يمكن للمرء أن يسمع الغضب في كل ركن من أركان العاصمة، في المقاهي والمتاجر المحلية: " انكسرت الثقة!"

حتى أولئك الذين اعتادوا الابتعاد عن أي نشاط سياسي، يدعمون الآن المحتجّين.

السيدة جيهان، موظفة محلية في مكتب للأمم المتحدة في بيروت، هي واحدة من أولئك الذين وجدوا أنفسهم يساندون الانتفاضة:

"ما يحدث في بيروت وفي كل مكان في لبنان أمرٌ جيّد. لقد حان الوقت للنهوض. سوف أنزل أيضا وهذا لا علاقة له بالأديان، إنه يتعلّق بحياتنا المدمّرة ".

***

عند قراءة وسائل الإعلام الغربية السائدة، يخال للمرء بأن مشاكل لبنان الرئيسية هي مثلاً الديْن الخارجي (لبنان هو ثالث أكثر البلدان المُثقلة بالديون على وجه الأرض على أساس نصيب الفرد، ويبلغ الدين 150 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي)، أو احتياطاته الحقيقية الضئيلة (10 مليارات دولار أمريكي)، أو الطريقة التي تتفاعل بها البلاد مع المانحين والمُقرضين.  ويأتي ذكر صندوق النقد الدولي و"نصائحه" باستمرار.

لكن على وكالات الأنباء مثل رويترز أن تعترف بأن الفوضى بأكملها بعيدة عن مجرّد إشكاليّات هيكلية:

وقال أحد المصرفيّين "مع نضوب الدولار، توقفت البنوك فعلياً عن الإقراض ولم تعد قادرة على إجراء أدنى معاملات الصرف الأجنبي للزبائن".

وأضاف "إنّ دور البنوك ينحصر بضخّ الأموال في البنك المركزي لتمويل الحكومة وحماية العملة. لا شيء يتمّ فعله بشأن العجز المالي لأن القيام بأيّ خطوة سيخلّ بأنظمة الفساد".

هذه هي الكلمة الأساسية: "الفساد!"

إنّ النخب اللبنانية فاسدة دون خجل. فقط بلدان مثل إندونيسيا قادرة على التنافس مع عشائر الكهوف اللبنانية، عندما يتعلق الأمر بتجريد الأمّة بأكملها من ثرواتها.

تقريباً لا يوجد شيء نظيف أو نقيّ في لبنان، ولهذا السبب لا تتوفر أي إحصائيات.

***

تأتي الأموال من الاستغلال الوحشي وبلا رحمة للموارد الطبيعية في غرب إفريقيا. الكل يعرف ذلك، لكن لا أحد يتناول الموضوع علنًا. لقد عملتُ في غرب إفريقيا وأعرف ما يفعله "رجال الأعمال" اللبنانيون العنصريّون هناك. لكن الأموال المسروقة من الأفارقة لا تثري لبنان وشعبه، بل تنتهي كودائع في المصارف اللبنانية، وتُنفَق على اليخوت الفخمة والسيارات الرياضية الأوروبية القديمة بأسعار مبالغ بها، وفي الأندية الخاصة الغريبة في العاصمة وحولها. في الوقت الذي يتضوّر فيه الكثير من اللبنانيين جوعاً، تتّجه الطائرات المكتظّة بالسّاعين للحياة الجميلة  إلى نيس أو البندقيّة أو الجزر اليونانية.

يكسب لبنان مليارات الدولارات من المخدّرات، خاصّة تلك المزروعة والمحوّلة في وادي البقاع. يتم تصديرها بشكل رئيسي إلى المملكة العربية السعودية للمستهلكين الأغنياء، أو حقنها في ساحات القتال في اليمن وسوريا بما يسمى بالمخدرات القتالية. ومرة أخرى، الكلّ يعرف ذلك ولا أحد يفعل شيئاً لوقفه. مئات الأسَر، من المزارعين إلى السياسيين، يغتنون من تلك التجارة ممّا يضيف المزيد من اليخوت الفخمة في مراسي بيروت الشهيرة.

ثم إنّ هناك "مساعدات أجنبية"، "استثمار أوروبي في البنية التحتية"، أموال سعودية وقطرية، يذهب معظمها مباشرة إلى جيوب المسؤولين الفاسدين، إلى ما يسمى بـ "الحكومة" وإلى رفاقها المقاولين. لم يتمّ بناء أي شيء تقريبًا والأموال تبخّرت. يوجد في لبنان موظّفون في السكك الحديدية الذين يحصلون على رواتبهم الشهرية في الوقت الذي لم يعُد يوجد فيه قطارات. فقد تمّ تحويل محطة القطار إلى خمّارة فودكا. يتوسّل لبنان للحصول على المال حتى يتمكن من استضافة اللاجئين من جميع أنحاء المنطقة، ولكن الكثير من الأموال ينتهي بها المطاف في بعض الجيوب العميقة والقليل جدّاً منها يذهب للّاجئين أنفسهم، أو إلى اللبنانيين الفقراء الذين يتعين عليهم التنافس على وظائف منخفضة الأجر مع السوريّين أو الفلسطينيّين اليائسين.

الفقراء يزدادون فقراً ومع ذلك فإنّ الخادمات الأثيوبيات والفلبينيّات والكينيّات يحملن البقالة للأثرياء، ويمسحن اللّعاب عن وجوه الأطفال المولودين في أسَر النخبة، وينظّفن المراحيض. تعرّضت بعضهنّ للتعذيب على أيدي أسيادهم، والكثير منهن يقُمن بالانتحار. لبنان هو مكان قاسي لمَن لا يملك وجهاً فينيقيّاً أو أوروبيّاً.

ثمّ أنّ الأحياء العشوائية في جنوب بيروت تتوسّع وبعض المدن اللبنانية، مثل طرابلس في الشمال تأخذ برمّتها شكل أحياء عشوائيّة هائلة.

علي، موظّف استقبال في فندق بوسط بيروت، يشتكي:

"أنا أعمل هنا كموظف استقبال لمدة 14 ساعة وأربح 540 دولارًا فقط شهريًا. أحتاج إلى 700 دولار أمريكي كحدٍّ أدنى للبقاء على قيد الحياة. لدي شقيقة تعيش في الولايات المتحدة وأرغب في زيارتها لمدة أسبوع فقط، ولكن لا يمكنني الحصول على التأشيرة. عمري 24 سنة فقط ولا أرى أي مستقبل لي في هذا البلد ومثلي آلاف من الذين يحتجّون في شوارع بيروت ".

وفقًا لتقديرات من مصادر مختلفة فإنّ لبنان قد ينهار بحلول شهر فبراير 2020. لم يعُد هناك من مال يُنهب. اقتربت اللّعبة من النهاية.

إذا حدث فعلاً انهيار، فسيكون للأثرياء مظلّاتهم الذهبية ولديهم أسَر تعيش في الخارج: أستراليا، البرازيل وفرنسا. بعضهم يحمل جوازَي سفر، والبعض الآخر لديه بيوت في أكثر المناطق ثراءً في العالم.

لن يُترَك للفقراء أيّ شيء على الإطلاق: بلدٌ أصبح عظاماً، قام نُخَبُه بنهشه. على طول البلاد وعرضها سيكون هناك سيارات فيراري متعفّنة قديمة، ولكن لا يمكن للمرء أن يأكل عظام السيارات. ستكون هناك حمّامات سباحة فخمة مهجورة بجوار الشواطئ الملوثة والمدمّرة.

الشعب يعرف ذلك وفاض الكيل معه.

محمّد، عامل في مقهى ستاربكس في بيروت، يتحدّث بتصميم:

"إن الأمر فظيع ولكن الوقت قد حان ولا يمكننا أن ننتظر أكثر من ذلك. نحن بحاجة إلى تغيير البلد بعمق وهذه المرة الأمر مختلف ولم يعد يتعلّق بمَن نعبُد ولكن بحياتنا اليومية."

إنّ لبنان، مقارنةً بالدول الرأسمالية الفاحشة الأخرى، هو على مستوى ثقافيّ متميّز لا يمكن معه خداع الشّعب.

لقد بدأت الانتفاضة ضدّ النخبة الحاكمة للتوّ والشّعب يريد استرجاع بلاده.

***

أندريه فلتشيك، فيلسوف وروائي ومخرج وصحفي استقصائي. من أعماله Vltchek’s World in Word and Images، وقد كتب العديد من الكتب بما في ذلك الصين والحضارة الإيكولوجية. يكتب بشكل خاص للمجلة الرقميّة "New Eastern Outlook".

 

[1]https://journal-neo.org/2019/10/24/beirut-is-burning-rebellion-against-the-elites-has-commenced/

ترجمة عبير دندشي

Le Club est l'espace de libre expression des abonnés de Mediapart. Ses contenus n'engagent pas la rédaction.